الرئيسية / منوعات / فكر وإبداع / “عفوا لقد نفد رصيدكم”… قصة قصيرة بقلم د. منى حسين

“عفوا لقد نفد رصيدكم”… قصة قصيرة بقلم د. منى حسين

= 10401
د. منى حسين

حين نلتقى ويلقى وجودنا معا قبولا ، تصحو المشاعر والأحاسيس، نتلمس الطرق للتلاقى وبداية حياة ، نحلم بها ونتمناها ، مرحلة يكون العقل بها مسيرا ، يتبع المشاعر ويحلم بأجازة .
تجتمع بداخلنا كل الأمانى والمنى ، نسابق الزمن لتحقيقها ، وتكون نهاية المساعى أن نكون معا ، ونعلن أننا كيان واحد ، فكلانا إلتقى شطره الذى تمناه ، نذوب معا ،
تأخذنا دوامة الحياة ، ليذوب القناع الذى إرتسم فوق ملامحنا ، وتظهر ملامح لا نعرفها ، حتى نبرة الصوت التى ألفناها وكانت نبراسنا تغيرت ، والمشاعر التى عشنا بعضا منها فترت
أصبح ما بيننا أوراق تحمل متطلبات ، أو تليفون يخبرنا بأمر ما ، صمتت الحناجر ، وأصبح لقاؤنا لقاء الخرسان ، وإن تحدثنا كأننا فى عراك لفظى ، نتبادل الاتهامات ، ونلقى باللوم على الآخر .
لم نعد الحبيبين ، بل شركاء فى مؤسسة لكل منا وظيفته ودوره ، ربما يسوده عدم الرضا ، وكأننا فى جزر منعزلة ، يبدأها حبيب الأمس ، ويجف قلب الحبيبة ،
ونعتقد أن الحياة بيننا حقوق وواجبات ، تتلاشى المشاعر والأحاسيس ، وتتوقف القلوب عن النبض ، ونشعر أن الآخر قيد ، ونحسب كم أمضينا معه وكم بقى ، ويعلونا الحزن واليأس ، إننا حبيسين هذا القيد حتى أخر العمر ، لكننا لا نعلم متى سينتهى العمر ، أو متى يتم الإفراج عنا ، بعد أداء فترة العقوبة ،
ويأتى اليوم الذى نعلن فيه أننا كرهنا هذا القيد ، ليعلن الآخر أنه لم يتغير وأن شريكته هى من تغيرت ، وينسى أنه أهمل ما فيها ، وكبلها بقيود وحملها بواجبات ، وتضرر من صمتها وشكواها إن نطقت ، لكن الحزن كما يقتل المشاعر والأحاسيس ، يحطم ما بداخلنا من قوة ، لننهار ونحيا حياتنا وكأننا فارقناها ،
وإن اظهرنا الغضب يناشدوننا البقاء ، وأننا كل شىء فى حياتهم ، نسوا أن القلوب إن صدأت لا تعود للحياة ، ولا تقبل التضحيات ، لأن ما قدمناه كان كثيرا بلا تقدير ، إلى متى يطمع الآخرون بنا ، تحملناهم فى غياب العقل وسطوة المشاعر والأحاسيس ، وكان رصيدهم يسمح
لكن بعد رحلة طفنا بها بالأزمات ، وعانينا من الواجبات ، وحرمنا من الحقوق ، نعلنها لقد نفذ رصيدكم ، ونعلن عن رغبة فى فراق ربما يصلح ما عطبت به أنفسنا .
أخبرتنى صديقتى منى أنها حين تزوجت من ممدوح ، فرحت ككل البنات بإرتداء فستان الزفاف ، وكان حلمها سيتحقق أنها ستترك القرية ، وتننتقل إلى مصر أم الدنيا ، قاهرة المعز ، وانتقلت للمدينة الكبيرة ، بشوارعها الواسعة ومبانيها المرتفعة ، وكان ممدوح يعمل بوظيفة حكومية بسيطة، ودخله محدود ، فى بداية حياتها معه ، تحملت ظروفه بقرار منها ،
أنجبت ثلاثة من البنات وثلاث من البنين ، وإضطر ممدوح أن يعمل إلى جانب عمله فى الحكومة فى تفصيل الملابس ، وكنت أساعده قدر جهدى فى هذا العمل ، إلى جانب تربية الأنباء وأعمالى المنزلية ، وتحملت كل الأعباء معه ،
لكنه كان لا يقدر جهدى هذا ، كما أنه بدأ فى المقارنة بينى وبين الأخريات ، ليلومنى على نحافتى ولون بشرتى ، وعلى جمال الأخريات ، ولم يكتف بهذا ، بل بدأ يهيننى أمام الناس ، وكنت أتغاضى عن إنتقاداته ، وأصمت ، وأواصل ما اعتدت القيام به تجاه أبنائى وزوجى وبيتى ، ومرت السنوات وكبر الأبناء ، وتزوج منهم البنات والبنون ، وبقى منهم إثنان ، لكنى ضقت بحالى معه ، وأنذرته أنى سأرحل إن لم يتغير حاله ، لقد نفد رصيدك لدى ، وأنا لم أقصر فقد ربيت الأبناء وكبروا ، وهو مازال على عنده ونقده لى .
جمعت أبنائى وأعلنت أننى لا أستطيع البقاء معه ، وأننى تعبت خلال عقود من الزمان مرت ، سقانى بها مرارة العشرة ، ليس عجزا منى ، لكن كى أحافظ عليهم ، وأكمل مهمتى فى تربيتهم وتعليمهم ، لكن صبرى نفد ، وهم شاهد عيان على ما عانيته معه ، وهم يرون وكثيرا ما نصحونى أن أترك له المنزل ، وكنت أستطيع لكنى فى كل مرة اتراجع عن حقوقى وقدرتى ، وأغلب صالح أبنائى على نفسى ، وعشت معه عقدا كأننا مطلقان ، لا يربط بيننا سوى مسكننا ، له أدواره إن قام بها قام ، وإن لم يقم كنت أنا من يلبى احتياجات أبنائى ، فهذا دورى فى الحياة ، وأنا أود أن اكمله على الوجه الأمثل ، وأحمد الله أنى نجحت فى ادائه .
لكنى الآن لا أستطيع تحمله ، فقد أصبحت لا أطيق وجوده بالمنزل ، وإن وجد أغمض عينى حين يمر أمامى ، وأغلق أنفى إن مر بجانبى ، وأذنى إن تحدث ، كل شىء فيه أصبح يؤلمنى ويشعرنى بالحسرة على عمرى الذى ضاع معه ، تمنيت لو عاد بى الزمن ولم أقترن به ، وكثيرا ما أعلنت هذا ، اليوم أعلنها كفى ما مررت به من ألم ومرض فى غالبه نتيجة ضغوط نفسية ، سأتخلص من قيودى لاحافظ على البقية الباقية منى .
فقررت أن أعود لمنزل العائلة بالقرية ، لأعيش مع أمى وأرعاها ، ربما اهنأ هناك وعدت وكأننى ولدت من جديد هذا بيتنا وهذه الحقول التى كثيرا ما لعبت ومرحت بها ، كل شىء كما كان ، والذى تغير هو أنا ، لم أعد شابة الأمس ، لكن حياتى ردت لى ،
صاحبت أمى فى زياراتها للأقارب وحضرت الأعراس والإحتفالات المختلفة ،عدت كطفلة بيد أمى ، وهى تربت على كتفى تواسينى على عمرى الذى ضاع ، وتبشرنى أننى سأكون أفضل مما كنت ، وتدعونى لزرع الأمل ، كى أحيا به ، اغتسلت من الحزن والألم ، ومرضت أمى وفارقتنى ،
لكن أولادى لم يهملونى ، وكانوا دائمى الإتصال بى والحضور لزيارتى ، واصطحابى معهم فى النزهات والمصايف ، ويدعونى لقضاء أغلب الأوقات بمنازلهم ، فقد أصبح لى أكثر من بيت هى بيوت أبنائى ،
أما ممدوح فقد أحس بالوحدة بعد هجرى له ، ولم يستطع البقاء بلا شريك ، فتزوج بأخرى تصغره بسنوات كثيرة ، وكان حلمها أن تنجب ، وأنجبت وأجبرته على ما لم أجبره عليه ، فى تربية أبنائها ،
وأصبح يشكو مر الشكوى مما يعانى ، ويحملنى نتيجة ما هو فيه ، ويقول لو صبرت لكان الوضع أفضل ،
وأنا أرى أن ذنبى جاءت من تقتصه منه ، على ما فعله معى من ظلم وإهانة وعدم تقدير ، وضميرى مرتاح ، تحملت وأنذرت لكنه لم يتعظ .

شاهد أيضاً

“غروب”…قصيدة للشاعرة سميرة الجابرية

عدد المشاهدات = 5339  غروب… آهات عصافير… ونين نسمه.. أمواج شاحبه.. رمال باهته.. شوارع خائفة.. …

اترك رد

%d مدونون معجبون بهذه: